الصفحة الرئيسية  متفرّقات

متفرّقات الصوم في الاديان السماوية: المؤتلف والمختلف فيه... بقلم مراد المويساوي

نشر في  23 أفريل 2020  (22:52)

بقلم مراد المويساوي -أستاذ اول للمدارس الابتدائية متحصل على الاجازة في اللغة والاداب والحضارة العربية

الصيام فريضة اسلامية تحظى بتقدير وتبجيل بالغين عند عموم المسلمين، وهو الركن الرابع من الدين و يعتبر الركن الاكثر رمزية لما يرافقه من مظاهر اجتماعية احتفالية وتقووية حيث يتمسك المسلمون بصيامه ويتحلون فيه بجملة من السلوكات والاخلاق الحسنة التي تزيد من طهورية الصائم و روحانيته.

يعتقد بعض المسلمين بسبب تمركزهم عند ذواتهم وعدم اطلاعهم على الاديان الاخرى انهم وحدهم من دون العالمين يصومون و يصلون و يتصدقون و يحجون لكن الصيام كأغلب التكاليف و الشرائع الدينية ينسحب على باقي الاديان و يحظى بمكانة مركزية في سلم العبادات، ولأن الصوم يختلف في كيفيته و طرق تطبيقه بين دين وآخر فسنبحث سريعا عن المؤتلف والمختلف في الصوم بين الاديان وسنُقصّر بحثنا على الاديان السماوية باعتبار وحدة مصدرها ولجذورها الابراهيمية الواحدة.

المشترك في الصوم بين هذه الاديان الكبرى هو كونه فريضة تستهدف الحط من قيمة الجسد لما يتعلق به من اتهام كونه محل التقاء الشهوات كشهوة الاكل و الشرب و الجنس، مقابل الاعلاء من قيمة الروح باعتبارها محل التكريم و موضع النفخة الالاهية وموطن الطهارة و التزكية الربانية، لذلك يعمد الصائم على حرمان الجسد من الاكل و الشرب لوقت مخصوص مقابل العناية بالطاعات والعبادات لتهيئة النفس لتلقي النفخات الربانية.

لمحاولة فهم هذه المقاربة الثنائية "الروح مقابل الجسد"، يجب ان نعي أنّ الانسان في صيرورته التاريخية كان دائم السعي للتميز عن الحيوان و الترفع عن وضعه الطبيعي الارضي سعيا للارتقاء لمقام اسمى يجعله يطمئن لمركزيته في الوجود ملتحقا بمقام الله الأعلى محتميا به ضد تقلب الظروف و الايام، وهنا يوفر الصوم معاندة طوعية للجسد طمعا في ارتواء الروح.

لأن الصوم يندرج ضمن مبحث التشريع داخل الاديان فان كل دين من الاديان السماوية قد اختص بشريعته الخاصة "قوانين تنظم اشكال العبادة " و ذلك باعتبار تطور التشريعات و تمايزها نظرا لكونها تشريعات تأخذ بعين الاعتبار المستوى الذهني للمكلف "المؤمن" و حاجاته الاجتماعية و النفسية و الاقتصادية، فالاختلاف في الصوم بين اليهودية والمسيحية والاسلام هو اختلاف يعود اساسا للسياقات و الظروف التي حفت و احاطت بظهور الشريعة ذاتها.

ان الصوم في اليهودية والاسلام اكثر صرامة والتزاما بترك الملذات ففيهما يُحرم الاكل و الشرب و الجنس، وقد يصل الصوم عند اليهود حد ترك الاستحمام وعدم تغيير اللباس و يمكن تفسير صرامة التشريعات المتعلقة بالصوم عند المسلمين و اليهود الى كونهما ديانتان تشريعيتان اي جاءتا بقوانين تضبط امور الحياة و الدين بعكس المسيحية التي تتلتحق في تشريعاتها باليهودية.

يصوم المسلمون شهر رمضان كاملا فريضة من الله و يصوم البعض اياما اخرى تقترن بأحداث كبرى كيوم الوقوف بعرفة او يوم عاشوراء الذي نجى الله فيه موسى من فرعون وهو كذلك يوم صوم يهودي، ويصوم متدينو اليهود اربعين يوما فيما يعرف بالصوم الموسوي نسبة الى موسى، و قد ذُكر هذا الصوم في التوراة بالاضافة لصوم يوم الغفران اذ يتسع مفهوم و شكل الصوم عند اليهود كما في الاسلام الى صوم فردي وصوم جماعي و صوم فريضة و صوم نافلة.

وفي المقابل يتسم الصوم في المسيحية بالتساهل و التسامح اذ هي ديانة اخلاقية روحية بالاساس فكان الصوم فيها مخففا على مستوى عدد ساعات الصيام كما أن الصوم لا يشمل كل انواع الاكل حيث تحرم المأكولات الحيوانية و يسمح عند الصوم بممارسة الجنس بين الزوجين.

بشيء من التفصيل لا تفرض الكنيسة البروتستانتية الصيام على اتباعها وتجعله شأنا شخصيا متروكا لحرية الفرد اما الكنيسة الارثوذوكسية فهي اكثر كنيسة تحدد اياما للصيام كصيام الاربعين المقدسة (الصيام الكبير) التي صامها المسيح و صيام عيد الميلاد و صوم السيدة العذراء و صوم يومي الاربعاء و الجمعة من كل اسبوع. اما الطائفة الكاثولوكية فتلتزم فقط بالصيام الكبير وتختص بصيام الصمت و فيه تفصيل وهو صيام عن شهوة الكلام ولهذا الصيام اشارة في القرآن على لسان السيدة مريم.

ان صوم طقس ديني يخترق كل الاديان السماوية منها والارضية فيصوم كذلك الهندوس والبوذيون واغلب باقي الاديان الشرق اوسطية ضمن مسار يتداخل فيه الاجتماعي بالديني والاقتصادي بالثقافي يبحث عبره المؤمن عن توازن نفسي ارقى يرمم به هشاشته النفسية و قلقه الروحي.